الشيخ محمد رشيد رضا

188

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لوجدانها لا تشعر باستبداد أحد فيها ، ولا باستذلاله واستعباده لها ، بل يصدق عليها ما دامت لحكومتها على هذا الوجه بقية انها أعز الناس نفوسا وأرفعهم رءوسا وان العزة للّه ولرسوله وللمؤمنين ولا بد لنا قبل ان نحرر مسألة التنازع من فتح باب البحث في اجتماع أولي الامر وتقريرهم للاحكام في المصالح العامة التي تحتاج إليها الأمة فقد علمنا أن أولي الامر معناه أصحاب أمر الأمة في حكمها وإدارة مصالحها وهو الامر المشار اليه في قوله تعالى ( 42 : 38 وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ) ولا يمكن أن يكون شورى بين جميع أفراد الأمة فتعين ان يكون شورى بين جماعة تمثل الأمة ويكون رأيها كرأي مجموع أفراد الأمة لعلمهم بالمصالح العامة وغيرتهم عليها ولما لسائر أفراد الأمة من الثقة بهم والاطمئنان بحكمهم ، بحيث تكون بالعمل به عاملة بحكم نفسها وخاضعة لقلبها وضميرها وما هؤلاء الا أهل الحل والعقد الذين تكرر ذكرهم في هذا السياق . ولكن كيف يجتمع هؤلاء ومن يجمعهم ولما ذا لم يوضع لهم نظام في الاسلام كنظام مجالس الشورى التي تسمى مجالس النواب في عرف أهل هذا العصر بحثنا في هذه المسألة في تفسير ( 3 : 159 وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) فبينا الحكم والأسباب لعدم وضع النبي ( ص ) هذا النظام وكيف كانت خلافة الراشدين بالشورى بحسب حال زمنهم وكيف أفسد الأمويون بعد ذلك حكومة الاسلام وهدموا قواعدها وسنوا للمسلمين سنة الحكومة الشخصية المؤيدة بعصبية الحاكم فعليهم وزرها ووزر من عمل ويعمل بها إلى يوم القيامة . وصفوة ما هنالك أن هذا الامر يختلف باختلاف أحوال الأمة الاجتماعية في الزمان والمكان فلم يكن من الحكمة أن يوضع له نظام موافق لحال الصدر الأول وحدهم والمسلمون قليل من العرب وأولو الامر فيهم محصورون في الحجاز ويجعل عاما لكل زمان ، ولو وضعه النبي ( ص ) لاتخذوه دينا وتقيدوا به في كل زمان ومكان وهو لا يمكن أن يوافق كل زمان ومكان ، ولكان إذا عمله باجتهاده غير عامل بالشورى وإذا عمله بالشورى جاز ان يكون رأي المستشارين مخالفا لرأيه كما وقع في غزوة أحد فيكون رأيهم قيدا للمسلمين مدى الدهر ويتخذونه